ابن خلدون
288
تاريخ ابن خلدون
لما هلك السلطان أبو الحسن وانقضى شأن الحصار ارتحل السلطان أبو عنان إلى فاس ونقل شلو أبيه إلى مقبرتهم بشالة فدفنه مع من هنالك من سلفه وأغذ السير إلى فاس وقد استبد بالأمر وخلت الدولة عن المنازع فاحتل بفاس وأجمع أمره على غزو بنى عبد الواد لارتجاع ما بأيديهم من الملك الذي سموا لاستخلاصه ولما كان فتح سنة ثلاث وخمسين نادى بالعطاء وأزاح العلل وعسكر بساحة البلد الجديد واعترض العساكر وارتحل يريد تلمسان واتصل الخبر بأبي سعيد وأخيه فجمعوا قومهم ومن إليهم من الأشياع والأحزاب من زناتة والعرب وارتحلوا إلى لقائه ونزل السلطان بعساكره وادى ملوية وتلوم به أياما لاعتراض الحشود والعرب ثم رحل على التعبية حتى إذا احتل ببسيط أنكاد وتراءى الجمعان انفض سرعان المعسكر ولحقوا بالعرب وركب السلطان في التعبية وخاض بحر القتال وقد أظلم الجو به حتى إذا خلص إليهم من غمره وخالطهم في صفوفهم ولوهم الادبار ومنحوهم الأكتاف واتبع بنو مرين آثارهم فاستولوا على معسكرهم واستباحوه واستباحوهم قتلا وسبيا وصفدوهم أسرى وغشيهم الليل وهم متسايلون في أثرهم وتقبض على أبي سعيد سلطانهم فسيق إلى السلطان فأمر باعتقاله وأطلق أيدي بنى مرين من الغد على حلل العرب من المعقل فاستباحوهم واكتسحوا أموالهم جزاء بما شرهوا إليه من النهب في المحلة في هيعة ذلك المجال ثم ارتحل على تعبيته إلى تلمسان فاحتل بها لربيع من سنته واستوت في ملكها قدمه وأحضر أبا سعيد فقرعه ووبخه وأراه أعماله حسرة عليها وأحضر الفقهاء وأرباب الفتيا فأفتوا بحرابته وقتله فأمضى حكم الله فيه فذبح في محبسه لتاسعة من اعتقاله وجعله مثلا للآخرين وخلص أخوه الزعيم أبو ثالث إلى قاصية الشرق فكان من خبره ما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم { الخبر عن شأن أبى ثابت وايقاع بنى مرين به بوادي شلف وتقبض الموحدين عليه ببجاية } لما أوقع السلطان ببني عبد الواد بأنكاد وتقبض على أبي سعيد سلطانهم خلص أبو ثابت أخوه في فل منهم ومر بتلمسان فاحتمل حرمهم ومخلفهم وأجفل إلى الشرق فاحتل بشلف من بلاد مغراوة وعسكر هنالك واجتمع إليه أوشاب من زناتة وحدث نفسه باللقاء ووعدها بالصبر والثبات وسرح السلطان وزيره فارس بن ميمون بن ودرار في عساكر بنى مرين والجند فأغذ السير إليهم وارتحل من تلمسان على اثره ولما تراءى الجمعان صدق الفريقان المجاولة وخاضوا النهر بالقراع ثم صدق بنو مرين الحملة واجتازوا النهر إليهم فانكشفوا واتبعوا آثارهم واستلحموهم واستباحوا معسكرهم